تربية واعية

الأمومة غريزة … أم سلوك مكتسب

غريزة الامومة هي مزيج من مشاعر “الحب، الاهتمام، القلق، الخوف، التضحية”. فالأم تجعل أطفالها أهم أولويتها، فتسهر وتتحمل الصعاب والتعب ولا تنتظر مكافأة على ما تقوم به. فسعادة طفلها هي غايتها الأولى، وهذا ما ندركه تحت عبارة “غريزة الامومة” ويدور في أذهننا سؤالا: هل النساء الذين لم ينجبوا أطفالا لأسباب عديدة لديهم نفس المشاعر الغريزية في تعاملاتهم مع الطفل المتبنى مثلا؟ قد نجد أيضا نساءً لا يرغبن في الإنجاب أو تحمل مسئولية الأطفال، فكيف تصبح الأمومة غريزة بوجود هذا الاختلاف؟

كيف تبدأ مشاعر الأمومة:-

غريزة الامومة هي علاقة بيولوجية ونفسية بين الأم وبين من تجلبهم وترعاهم. تبدأ العلاقة والمشاعر ببدء الحمل والرضاعة حين يزيد ذلك من إنتاج هرمون “الأكوستوسين” الذي بدوره يساعد على تحسين العلاقة بين الأم وطفلها، تلك العلاقة التي تسمى “بالعلاقة البيولوجية” ثم تتعلق الأم بطفلها وتحبه وتلبي جميع احتياجاته وهذا ما يسمي “بالعلاقة النفسية”. وتوجد أنواع أخري من الأمومة، كالأم التي تلد ثم لا تربي طفلها فتكن “أمومة بيولوجية” فقط وغيرها التي تربي طفلا لا تلده فتصبح “أمومة نفسية”.

حول غريزة الأمومة:-

ليكون الشعور غريزي يجب أن يكون شعوراً تلقائياً ويكون نتيجة استجابةً لمشاعر لا يمكن إيقافها أو السيطرة عليها، ويكون هذا في مرحلة معينة من التطور دون تدخل الآخرين في تعديله. لذا استبدل علماء النفس مصطلح “الغريزة” إلى مصطلح “الدافع” الذي يدفع السلوكيات في اتجاهات محدده.

– غريزة الامومة تتمثل في دور الأم تجاه طفلها لتلبية وتوفير احتياجاته وحمايته وتأمين حياة مستقرة له.

قد يرى بعض العلماء أن غريزة الأمومة غريزة من أقوي غرائز المرأة، وهي تظهر لديها منذ الصغر بداية باحتضان عروستها والاعتناء بها. ويرى بعض العلماء الآخرين أنه لولا تلك الغريزة لعزفت معظم النساء عن الزواج والإنجاب، لإن الغريزة لها جذور (بيولوجية، هرمونية، ونفسية) أما الحب فهو حالة نفسية أقل عمقا.

هل الأمومة غريزة أم مهارات مكتسبة:-

ومع تطور الاختبارات والدراسات وأبحاث علماء النفس والبيولوجيا والأنثروبولوجيا حول غريزة الأمومة، وجد أن بعض الأمهات لا يملكن غريزة الأمومة ويملكن مشاعر مختلفة تجاه فكره الإنجاب والأمومة. فأصبح الوضع وكأن هناك نوعان من النساء: النوع الذي يولد ويرغب في الحصول على طفل والنوع الأخر يقرر ألا ينجب الأطفال حسب أولوياتها ورغباتها.

وبذلك فإن “غريزة الأمومة ” لم تعد كما رآها الجميع في السابق ولكن تأتي مشاعر الأمومة نتيجة لعمليات نفسية معقدة تتأثر بعوامل مختلفة بيولوجية ونفسية وتربوية وثقافية.

وقدر رأى بعض الأطباء النفسيين أن غريزة الأمومة ما هي إلا لغرض إبقاء النساء في أماكنهن كأمهات فقط. إذ يرون أن مهارات الأبوة والأمومة ليست غريزية ولا وراثية بل يتم تعلمها واكتسابها مثلا عن طريق أن تشعر الأم دائما بالذنب تجاه أوجه القصور التي تحدث في تربية طفلها أكثر من الآباء فتختلف غريزة الأب والأم. لذلك فاهتمام الأم أكبر ويزيد كبره برعاية أطفالها يوم بعد يوم نظرا للمسئوليات الأصعب.

الأمومة واتخاذ القرار.

لا يعتمد الأمر فقط على رغبة النساء وغريزتهن في أن يصبحن أمهات بل هي من تقرر ذلك نتيجة لعوامل كثيرة. إذ يرجع الأمر لتجربة حياتهن ووالدتهن معا. فهناك مواقف وخبرات تكون الدافع الحقيقي للنساء والفتيات في الرغبة في الزواج والإنجاب أو في الابتعاد عنهم.

هناك العديد من النساء المحظوظات لأنهم كبرن مع أمثلة رائعة داخل منزلهم ولكن البعض الأخر لم يحالفهن الحظ في ذلك. فحتى مع وجود مثال رائع داخل المنزل، لا يكفي الأمر. وبالرغم من أن أغلب النساء ترى الأمومة كأمر طبيعي وغريزي، إلا أن الصعوبات التي يواجهنها لا تجعلهم يمتلكون من الحكمة والقدرة ما يكفي للتربية معتمدين على غريزتهم فقط. وهنا يكون لا بد ممن ممارسات خارجية مكتسبة يتعلمن منها.

لذلك فالأمهات التي تنجب الأطفال وهي غير مستعدة لهذا القرار لا تستطيع الاستمتاع كليا بأمومتها مع أطفالها وترى في الأمر ضغطا قويا تجاهها، ولكنها تحاول أن تمنح هذا الطفل الحب والاهتمام وتلبي جميع احتياجاته ولكنها لا تستمع بدورها تجاهه، وهو الشيء الذي يسبب لكثير من الأمهات اكتئاب ما بعد الولادة.

قد أدت نتيجة العديد من الدراسات في الآونة الأخيرة، التي أوضحت أن الدافع الرئيسي لدى النساء في اكتساب المهارات والسلوكيات المختلفة للتعلم لا ينبع من الغريزة ولكنه نتيجة لثقافات مختلفة ومهارات مكتسبة، وبالتالي فهو ليس نتاجا للفطرة.

وقد يتخيل البعض أن الهرمونات هي السبب الرئيسي والدافع في الأمومة، ولكن أثبتت نتيجة العديد من الأبحاث والدراسات أن الهرمونات تشجع الأم على الاهتمام بأولادها فقط ولكنها ليست المسئولة عن تحسين العلاقة بينها وبينهم. يتضح هذا مما نراها من بعض الأمهات اللاتي يعاملن أبنائهن بشكل عدائي أو تتركهم لدور الرعايا أو تتخلى عنهم. وهي هنا تكتفي بالجزء البيولوجي وليس النفسي. وهذا كله يدل على أن الأمومة ليست تصرفا غرائزيا بل هي باكتساب مهارات وخبرات من خلال علاقتها بطفلها والاهتمام به.

إن الأمومة حياة يتخللها العديد من الصعاب. وإن كان يراها الأغلب غريزية عن طريق إنجاب الأطفال ومن ثم رعايتهم، فما هو ليس غريزيا هو قدرتنا ومسئوليتنا تجاه أطفالنا منذ ولادتهم إلى أن يصبحوا بالغين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق